يسوع والمعجزات






يسوع والمعجزات



كان الربّ يسوع يجوب المدن والقرى والدساكر ليدعو الناس إلى التوبة بوسائل وسبل متعدّدة، فكان يعلّم ويعظ ويجترح المعجزات والأعمال الخارقة. ولم يكن صنع المعجزات ينفصل عن التعليم، بل كانت كلّ معجزة مرتبطة برباط وثيق إلى غاية أسمى من مجرّد شفاء الجسد من مرض أو من عاهة ما، وهذه الغاية هي إيمان الحاضرين بيسوع ربّاً ومخلّصاً وفادياً.

لا ريب أنّ أهمّ ما حدا بيسوع إلى إحداث المعجزات، كما يستدلّ من مختلف الروايات الإنجيليّة التي تتحدّث عنها، كانت رحمته بالناس. فإنّه كان يرمي إلى مؤاساة ألم، أو شفاء علّة، أو طرد شيطان، أو تعزية أم ثكلى أو أرملة... إلاّ أنّنا نلمس أسباباً أخرى لهذه المعجزات، من أبرزها دعوة الحاضرين لتصديقه وتبنّي تعاليمه والإيمان به. ولا بدّ من التذكير، هنا، بأنّ معاصري يسوع لم يكونوا بحاجة إلى أدلّة عقليّة أو ذهنيّة أو فلسفيّة ليقتنعوا ببشارته. لذلك استعمل يسوع سلطانه الإلهيّ فأقام المعجزات حجّة ليزرع بذور الإيمان في نفوسهم، وينمّي فيهم الثقة بالله القادر على كلّ شيء. وما استعمال لفظ "إيمان" في كلّ المعجزات سوى دليل على أنّ الإيمان هو الهدف من تلك الأعمال الخارقة.

لقد كانت تلك المعجزات لأوائل المؤمنين بدعوة يسوع الناصريّ غذاءً لإيمانهم وذخراً. ولا يقلّل من شأنها نزوع بعض الأشخاص، ومنهم مَن تثقّف لاهوتيّاً، الذين طغى عليهم تحكيم العقل إلى إنكارها، كما أنكروا من الإيمان كلّ التعاليم المتّصلة بما يفوق الطبيعة. فقام هؤلاء بغربلة نصوص الأناجيل لتصفيتها من كلّ خارق عجيب، زاعمين أنّ ذلك كلّه إنّما هو وليد الوهم والخيال. ومع التسليم بأنّ كثيراً من المؤمنين في أيّامنا الحاضرة يستميلهم الإنجيل بسمو تعاليمه ومبادئه أكثر من أيّ شيء آخر، فإنّ الاستهانة بالمعجزات تشكّل خطأ جسيماً، فهي وحدها تستطيع أن تكشف لنا جانباً هامّاً من جوانب شخصيّة يسوع، وترينا مدى حنانه ومحبتّه ورحمته اللامتناهية.

يضيق المجال في هذه العجالة لرواية كلّ معجزات يسوع الوارد ذكرها في الأناجيل. سنحاول استخلاص عبرتين من العبر التي هدفت إليها تلك المعجزات. العبرة الأولى هي أنّ غاية الربّ يسوع كانت الدعوة إلى التوبة لا شفاء الجسد وحسب، فشفاء الجسد هو الوسيلة التي يستعملها يسوع، أمّا الغاية فهي شفاء الإنسان التي حدثت معه المعجزة من الخطيئة. وهذا ما تدلّ عليه حادثة شفاء المخلع في كفرناحوم (مرقس 2: 1-12)، إذ عندما قدّموا إليه المخلع ليشفيه، قال له: "يا بنيّ مغفورة لك خطاياك"، فشكّك بعض الحاضرين بقدرته على مغفرة الخطايا، فالله وحده له هذا السلطان، فتحدّاهم يسوع قائلاً للمخلع: "ولكن لكي تعلموا أنّ ابن البشر له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا (قال للمخلّع) لكَ أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك". نستشفّ من هذه الحادثة أنّ المعجزة في خدمة الإيمان والتوبة على السواء. والهدف الأساسيّ هو التوبة، أي الشفاء من الخطيئة، والجسد سيفنى يوماً ما وسيعود إلى التراب. فالأعمى الذي أبصر عادت عيناه إلى التراب، والمخلّع الذي استعاد القدرة على المشي عادت قدماه إلى التراب... أمّا الإنسان التائب، أكان سليم البنية أو معوّقاً، فيدوم إلى الأبد في حضرة الله.

العبرة الثانية هي ارتباط المعجزة بالإيمان، ليس إيمان المعني بالمعجزة فحسب، بل إيمان شخص آخر تجري المعجزة بشفاعته. والنماذج عن النمط الأوّل عديدة، فكثيراً ما نقرأ في الأناجيل ما يشبه هذه الآية: "ثقي يا ابنة، إيمانك أبرأك" (متّى9: 22). أمّا النمط الثاني فنموذجه ما نقرأه في حادثة شفاء غلام قائد المائة (متّى 8: 5-13)، الذي طلب إلى يسوع أن يشفي غلامه الملقى في البيت مخلّعاً، فقال له يسوع بعد حوار رائع: "اذهب وليكن لك كما آمنت"، فشفي غلامه في تلك الساعة. من هنا، تؤمن الكنيسة بشفاعة القدّيسين الذين تأتي الشفاءات عن يدهم. ولكن أيضاً تؤمن الكنيسة بقدرة الصلاة على الشفاء، فقد جاء في رسالة القدّيس يعقوب "فإنّ صلاة الإيمان تخلّص المريض والربّ ينهضه (...) ما أعظم قوّة صلاة البارّ الفعّالة" (5: 15-16). لذلك، تستطيع الكنيسة، أي الجماعة الحيّة الشاهدة ليسوع في هذا العالم، أن تلعب دور الشفيعة لإنقاذ عالمها من براثن الشرّ وما يسبّبه للناس من عذابات وأوجاع.

أعطى يسوع تلاميذه القوّة على جميع الشياطين مع القدرة على إزالة الأمراض، وأرسلهم للتبشير بملكوت الله وإبراء المرضى (لوقا 9: 1-2). فانصرف التلاميذ وانتشروا في العالم يدعون إلى التوبة، التي هي الأساس الذي تقوم عليه الدعوة المسيحيّة، ويخرجون الشياطين ويمسحون بالزيت مرضى كثيرين ويشفونهم (مرقس 6: 12-13). واستمرت هذه المعجزات، على مرّ تاريخ الكنيسة، مع أتباع الرسل وأتباع أتباعهم إلى يومنا هذا. ولا تخلو صلوات الكنيسة وأسرارها من دعاءات تشفع بمَن هو في حاجة إلى أن ينزّل الربّ رحمته عليه كي يشفى من أمراض النفس والجسد.